يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

567

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

الجلاء : أعرف من أقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم إلا ما استقاه بركوته ورشائه . وكان بشر الحافي لا يشرب من الأنهار التي احتفرتها الظلمة ، وأطفأ بعضهم سراجا أشعله غلامه من بيت ظالم . ويروى عن ذي النون المصري أنه كان محبوسا جائعا ، فبعثت إليه امرأة صالحة من طيب مالها طعاما ، فلم يأكل منه واعتذر بأنه جاء على طبق ظالم ، أي : على يدي السجان . فهذا الذي حمل أولئك الفضلاء من أهل الورع والدين على أكل الطين وموتهم لشهواتهم على لهواتهم ، كما حكي أن مالك بن دينار رضي اللّه عنه مكث بالبصرة أربعين سنة ، فلم يصح له أن يأكل من ثمرها أو رطبها ، حتى مات ولم يذقه ، وكان إذا انقضى وقت الرطب يقول : يا أهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شيء ولا زاد في بطونكم ، وكانوا يستسهلون الورع . وكان سفيان الثوري رضي اللّه عنه يقول : ما رأيت أسهل من الورع ، ما حاك في صدرك تركته . وقال ابن الجلاء : من لم يصحبه التقى في فقره أكل الحرام ، النص . وقال يونس بن عبيد : الورع الخروج من كل شبهة ومحاسبة النفس في كل طرفة . فصل : [ تقدّم ذكر أبي ذر رضي اللّه عنه ، واسمه جندب بن جنادة ، . . ] تقدّم ذكر أبي ذر رضي اللّه عنه ، واسمه جندب بن جنادة ، كان من أكابر أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أسلم بعد أربعة ، فكان خامس المسلمين ، ولما بلغه مبعث النبي صلى اللّه عليه وسلم قدم عليه مكة ، فأقام بها خمسة عشر ، ثلاثين بين ليلة ويوم ، ولم يكن له طعام إلا ماء زمزم ، قال : فسمنت عليه حتى تكسرت عكن بطني ، وذكر أنه لقيه عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه وسأله عن مقدمه ، فأخبره أنه يريد الاجتماع مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وحينئذ قال له عليّ : اتبعني حتى تدخل معي مدخلي ، فإني إن رأيت شيئا أخافه عليك قمت كأني أريق الماء ، وإن مضيت فاتبعني ، كما تقدّم . ثم دخل على النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال له : السلام عليك يا رسول اللّه ، قال : فكنت أوّل من حيا بتحية الإسلام ، فقال : وعليك السلام ، من أنت ؟ قلت : رجل من غفار ، فعرض عليّ الإسلام ، فأسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ، فقال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ارجع إلى قومك وأخبرهم ، واكتم أمرك عن أهل مكة ، فإني أخشى عليك . فقلت : والذي نفسي بيده لأصرخنّ بها بين أظهرهم ، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمدا رسول اللّه ، فثار القوم إليه فضربوه حتى أضجعوه ، وأتى العباس فانكب عليه فأنقذه منهم ، ثم عاد من الغد إلى مثلها ، وضربوه ، فأنقذه العباس . ثم لحق بقومه ثم قدم على